كيف يسيطر الحكام العرب (4)

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 12 ديسمبر 2021

نستكمل اليوم المقالة الأخيرة في حديثنا عن طرق سيطرة الحكام العرب على السلطة في بلادنا المنكوبة بالاستبداد..

سادسا: السيطرة على الثقافة والفن

وزارات الثقافة في الوطن العربي تكاد تكون وسيلة هدفها الأول السيطرة على المثقفين !

تجربة فاروق حسني وزير الثقافة الأشهر في عصر المخلوع مبارك تعتبر رائدة في هذا المجال.

هذا الوزير كانت سياساته كلها تعتمد على الجزرة لا العصا، ولا يذكر له أي شكل من أشكال المواجهة الخشنة مع أي مثقف مصري أو عربي يذكر.

المواجهة الوحيدة حدثت مع الروائي المعروف "صنع الله إبراهيم"، وكان ذلك بقرار من الروائي، وبتخطيط منه، حين رفض استلام جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي، عام 2003 والتي يمنحها المجلس الأعلى للثقافة.

كان موقفا صداميا مشهودا، وبحضور الوزير شخصيا، ووقف وقال كلمة شهيرة أدانت سياسة مبارك والتبعية لأمريكا وإسرائيل.

لقد تمكن فاروق حسني من ترويض غالبية المثقفين المصريين بأكلة (فتّة)، وليس بالسجن والاعتقال..

فلك أن تتخيل كاتبا قضى سنوات في السجون مثل "صلاح عيسى" قد قبل أن يصبح رئيس تحرير مجلة تابعة لوزارة الثقافة (بمرتب لا يعتبر كبيرا).. ونسي تاريخ النضالي كله.

النشر والجوائز ولجانها هي أساس غواية للشعراء والمثقفين.. وقد أجادت وزارات الثقافة العربية اللعب بهذه الجوائز لكي تعطي الفرصة للأديب الموالي، وتقصي الأديب المعارض، أو حتى المستقل (نسبيا).

ينطبق ذلك على جميع النشاطات الثقافية، فمهما بلغ حجم الأديب، لن يجد له مكانا في وزارة الثقافة في أي بلد عربي إلا إذا كان مرضيا عنه من أجهزة الأمن.

كنت وما زلت أقول لكل الأدباء الشباب (إذا قررت أن تكون أديبا مستقلا فتأكد أنك لوحدك، وموهبتك هي مسؤوليتك أنت، لن يعينك أحد، بل سيحدث العكس.. ستجد الدولة كلها ضدك).

ما يقال عن الأدب.. يسري على السينما والمسرح والفنون التشكيلية، وكل ما يتعلق بالثقافة من قريب أو بعيد.

*       *       *

سابعا: السيطرة على عالم الرياضة والشباب

في كثير من الأنظمة الملكية والجمهورية تجد أن ابن الحاكم هو المسؤول الرياضي الأول عن كل ما يتعلق بالرياضة والشباب.

تستأثر كرة القدم بالاهتمام الأكبر للجماهير، ويحاول الحاكم أن يكتسب شعبية برعايته لكرة القدم، وبتحقيق إنجازات كروية أو رياضية تخدر الناس، أو تؤجل غضبهم، أو تخلق له شعبية من خلال كلام اللاعبين عنه (ولهؤلاء اللاعبون عشرات الملايين من العشاق، بل إن بعضهم له مئات الملايين من العشاق والمتابعين، خصوصا بعد تطور عالم السوشيال ميديا).

في العراق كان عدي بن صدام حسين هو المسؤول عن المنتخب.. كان في الحقيقة رئيس اتحاد كرة القدم، ورئيس اللجنة الأولمبية.

ستجد هذا الأمر متكررا في الدول العربية، أن الرئيس شخصيا (أو وريثه) هو الذي يتولى مسائل الرياضة لخلق شعبية زائفة.

في مصر.. كان مشروع جمال مبارك هو الوصول لرئاسة الجمهورية عن طريق التأهل لكأس العالم عام 2010.

وهو ما يفسر لك رد الفعل الجنوني من دولة مبارك حين هزمت مصر من الجزائر في المباراة الشهيرة في استاد أم درمان بالسودان في التصفيات المؤهلة لكأس العالم في 2009م.

الرياضة في أوطاننا عمل سياسي بامتياز، وأي لاعب له أي ميول سياسية معارضة سيتم التخلص منه، والاستثناءات قليلة، بل نادرة.

إن سيطرة أنظمة الحكم العربية على الشؤون الرياضية لها هدفان، الأول تخدير الجماهير، والثاني: خلق شعبية زائفة من خلال إنجازات رياضية محدودة، وهو ما يؤدي إلى تعزيز سيطرة الحاكم على كل شيء.

*       *       *

ثامنا: السيطرة على عالم المال والأعمال

المال هو هدف أساسي للحاكم العربي، خصوصا أن غالبيتهم من سفلة القوم الذين لم يشبعوا في بيوت آبائهم (أخص النظم الجمهورية التي استولى عليها الضباط بقوة السلاح).

إن حجم الثروات المنهوبة من أوطاننا العربية يفسر لك لماذا يقاتل الحكام من أجل البقاء في السلطة، فهو حجم مهول، والنهب يمتد لعشرات السنين.

من مسلمات الحياة في الدول العربية أن عالم المال والأعمال ليس مفتوحا لكل أحد، مهما بدت القوانين منفتحة، ومهما بدا السوق رأسماليا، ومهما تحدث المسؤولون عن تشجيع رأس المال الأجنبي، أو الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة، أو دعم المشاريع الصغرة.. الخ الخ الخ.

السوق في الوطن العربي ملك للحاكم وحاشيته، والمسألة أن هذه الحاشية أحيانا تتوسع قليلا (كما حدث في عصر المخلوع مبارك مثلا)، أو تضيق (كما هو في عهد سيسي، وكما كان الوضع في عهد حافظ أسد، وابنه، أو في عهد المقبور القذافي، وغير ذلك من الأمثلة).

سيطرة النظام الحاكم على مجال الأعمال هدفها أن لا يتضخم أي شخص أو مجموعة أشخاص يمكن أن تستقوي بهذه الأموال في أي عمل سياسي، أو أي عمل يمكن أن يوظف سياسيا في وقت ما.

لهذا السبب سرقت الدولة شركات توظيف الأموال في مصر في أواخر الثمانينات، لأن القطاع العام كان سيطرح للبيع بعدها بسنوات قليلة في البورصة، ولا يمكن ترك هؤلاء بكل هذه الأموال ليشتروا القطاع العام.

كان لا بد أن تُسرق ثروة "عبداللطيف الشريف"، وتُمنح للسيد "رامي لكح" (هذا ما حدث بالفعل).

لهذا السبب يتمكن شخص مثل "نجيب ساويرس"، "أبو هشيمة"، و"أبو العينين"، وعشرات ممن هم على شاكلتهم من تكوين ثروات مليارية في مصر، بينما يشقى أصحاب المشاريع الحقيقية، أو يهربون بأموالهم إلى الخارج.

ولهذا السبب يتمكن أباطرة التجارة في أوطاننا كلها من التضخم بلا حدود، في سوريا رامي مخلوف، وفي الإمارات العبار، وأمثالهم من رجال أعمال القذافي في ليبيا، ورجال بوتفليقة في الجزائر.. وقس على ذلك غالبة الدول العربية..

السوق في الوطن العربي – كله تقريبا – ليس سوقا حرا مفتوحا، والسبب الأول في ذلك هو رغبة الحاكم في السيطرة السياسية، وذلك لا يكتمل إلا بالسيطرة على رؤوس الأموال.

لا بد من دعم سياسي لأي رجل أعمال تزيد ثروته عن حجم معين، وإذا لم يحصل على هذا الدعم سيجد نفسه في مشاكل لا حصر لها، وربما تضيع ثروته كلها.

*       *       *

تاسعا: السيطرة الكونية

من أسوأ مظاهر السيطرة التي طرأت خلال السنوات الماضيات (بعد الربيع العربي خصوصا) هو ميل الحكومات العربية إلى ما يمكن أن نسميه (السيطرة الكونية).

هذه السيطرة الكونية تبدأ بالمؤسسات الدولية والإنتربول.. وتنتهي بالتحكم في قرارات الدول الكبرى، بالمال، وبالتنازلات الاستراتيجية الضخمة.

إنها الحقيقة.. أوطاننا لديها قدرة غير محدودة على الإيذاء، وهي تستخدم هذه القدرات ضد أبنائها فقط..

مصر على سبيل المثال لا تستخدم قدراتها على الأذى مع أي عدو، لا تستخدمها إلا ضد المعارضين في الداخل والخارج فقط.

المملكة السعودية لم تذبح إنسانا وتقطعه تقطيعا.. اللهم إلا إنسانا سعوديا من أبناء المملكة.

تعاون الدول العربية في كل المجالات يعاني من فشل مخجل، ولكن تعاونهم الأمني (وخصوصا الأمن السياسي) لا يضاهيه أي تعاون من أي شكل !

بعض الدول العربية أصبحت غنية، وأموالها مسلطة على أبنائها، فهذه الدول تفعل كل شيء لكي تسقط رؤساء وتولي آخرين (أتحدث عن رؤساء لدول عظمى)، كل ذلك لتحقيق ما يصبون إليه من محاصرة أي تحول ديمقراطي في أوطانهم.

لقد أصبحت المؤسسات الدولية – وميزانياتها من الدول الأعضاء – فرصة كبرى للسيطرة الكونية، خصوصا من تلك الأنظمة التي لا تمثل لها ميزانيات تلك المنظمات عبئا يكاد يذكر.

لقد أصبح على رأس الإنتربول اليوم – بفضل أموال الإمارات – مجرم متمرس في الإجرام، وهناك عشرات المنظمات الدولية التي تمارس – باسم القانون – انتهاك القانون، بعد أن اشترتها أنظمة استبدادية عربية.

هناك لوبيهات ممولة من المستبدين العرب في دول كثيرة، لقد تمكنوا من شراء آلاف السياسيين، ومراكز الأبحاث، والكتاب، الفنانين.. عن طريق الجوائز، والتبرعات، والدعم المباشر وغير المباشر..

يكفي أن تتخيل أن رئيس وزراء انجلترا السابق يعمل خادما لدى أحد شيوخ البترول في دولة عربية.

لقد حاول الغرب أن ينقل الديمقراطية – ولو شكليا – للأنظمة العربية، ولكن ما حدث أن الأنظمة العربية هي التي نقلت الاستبداد للدول الغربية عن طريق المال !

*       *       *

كانت هذه إطلالة مختصرة – وهو اختصار فيه بعض إخلال – عن طرق سيطرة الحكام العرب على الحكم.. ولعلنا نتمكن في أيام قادمات من معرفة ما ينبغي على الشعوب العربية لاستعادة ما سلبه منها الحكام.. وما سلبوا منهم إلا الحرية !

أشكر القارئ الكريم الذي تابع هذه المقالات، وتفاعل معها..

للتعليق على المقال